الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
208
نفحات القرآن
الإنسان المسرور ، وهي مشتقة من كلمة « فكاهة » ومعناها المزاح ، وتعني كلمة « فاكه » في اللغة العربية الإنسان الممازح المرح الذي يجيد الأحاديث الطريفة . وبما أننا نجهل طبيعة الأشياء التي يتسلى بها أهل الجنّة لأننا نقيس كل شيء في هذا العالم بمعيارنا المحدد الصغير ، فمن البديهي أنّ النعم التي يشغلون بها هناك لا يمكننا حتّى تصّورها في هذا العالم . وعلى أيّة حال فإنّ الأمور التي تستهويهم وتشغلهم هناك تكون سبباً لنسيان آلام هذا العالم وهول المحشر أو فقدان بعض الأحبّة ، ولا شك أنّ مواضيع التسلية السبعة أو العشرة التي ذكرها بعض المفسرين ، إنّما هي موضوعة وفقاً للمعايير والتصورات الدنيوية للتسلية ، وإلّا فالأوضاع في ذلك العالم تختلف عّما في هذا العالم « 1 » . 6 - الانشراح النفسي قد يُدعى الإنسان أحياناً إلى أجمل الحدائق ، وتوفّر له كافة مستلزمات الراحة ، إلّاأنّ روحه منقبضة فلا يتلذذ بأي منها ، فالإنسان يشعر بلذة النعم الإلهيّة فيما إذا كان منشرح النفس . يُستفاد من مجمل الآيات الواردة في هذا الصدد أنّ الفرح والانشراح يظهر على وجوه أهل الجنّة بكل وضوح ، وقد استخدم القرآن الكريم عبارات جذّابة في هذا الصدد ، فإليك مثلا قوله : « ادخُلُوا الْجَنَّةَ انْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ » . ( الزخرف / 70 ) فكلمة « تُحبرون » : مأخوذه من المصدر ( حبر ) على وزن ( فكر ) ، وتعني في الأصل الآثار الجميلة حسب ما وردت في كتاب ( مقاييس اللغة ) ، ولذلك يطلق على الأشياء المزّينة اسم « مُحَبَّر » على وزن مُشّجر وسمّي الحِبرُ حِبراً لأنّه يترك وراءه أثراً جميلًا ، ويُقال للعلماء « أحبار » لأنّهم يمتلكون آثاراً قيّمة ، وهذه الكلمة تعني هنا البهجة والانشراح الذي يظهر أثره على الوجوه « 2 » .
--> ( 1 ) . ورد نفس هذا المضمون في سورة الطور ، الآية 18 . ( 2 ) . ورد نفس المعنى في سورة الروم ، الآية 15 .